سيد محمد طنطاوي

219

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

متنازعين لسوء أخلاقهم وطباعهم ، وهذا العبد موزع وممزق بينهم ، لأن أحدهم يطلب منه شيئا معينا ، والثاني يطلب منه شيئا يباين ما طلبه الأول ، والثالث يطلب منه ما يتناقض مع ما طلبه الأول والثاني . . . وهو حائر بينهم جميعا ، لا يدرى أيطيع ما أمره به الأول أم الثاني أم الثالث . . . ؟ لأنه لا يملك أن يطيع أهواءهم المتنازعة التي تمزق أفكاره وقواه . هذا هو مثل المشرك في حيرته وضلاله وانتكاس حاله . أما مثل المؤمن فهو كمثل عبد مملوك لسيد واحد ، وخالص لفرد واحد ، وليس لغيره من سبيل إليه ، فهو يخدم سيده بإخلاص وطاعة ، لأنه يعرف ماله وما عليه ، وفي راحة تامة من الحيرة والمتاعب التي انغمس فيها ذلك العبد الذي يملكه الشركاء المتشاكسون . فالمقصود بهذين المثلين بيان ما عليه العبد المشرك من ضلال وتحير وتمزق ، وما عليه العبد المؤمن من هداية واستقرار واطمئنان . واختار - سبحانه - الرجل لضرب المثلين ، لأنه أتم معرفة من غيره لما يتعبه ولما يريحه ولما يسعده ولما يشقيه . قال صاحب الكشاف - رحمه اللَّه - عند تفسيره لهذه الآية : واضرب - يا محمد - لقومك مثلا وقول لهم : ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء ، بينهم اختلاف وتنازع . كل واحد منهم يدعى أنه عبده ، فهم يتجاذبونه ، ويتعاورونه في مهن شتى ، وإذا عنت له حاجة تدافعوه ، فهو متحير في أمره ، قد تشعبت الهموم قلبه ، وتوزعت أفكاره ، لا يدرى أيهم يرضى بخدمته ، وعلى أيهم يعتمد في حاجاته . وفي آخر : قد سلم لمالك واحد وخلص له ، فهو معتتق لما لزمه من خدمته ، معتمد عليه فيما يصلحه ، فهمه واحد ، وقلبه مجتمع ، أي هذين العبدين أحسن وأجمل شأنا ؟ . والمراد تمثيل حال من يثبت آلهة شتى . . ويبقى متحيرا ضائعا لا يدرى أيهم يعبد ، وممن يطلب رزقه ؟ فهمّه شعاع - بفتح الشين أي : متفرق - ، وقلبه أوزاع ، وحال من لم يثبت إلا إلها واحدا ، فهو قائم بما كلفه ، عارف بما أرضاه وما أسخطه ، متفضل عليه في عاجله ، مؤمل للثواب في آجله ، « 1 » . والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ) * للإنكار والاستبعاد . أي : لا يستوي الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون ، والرجل الذي سلم لرجل آخر ،

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 126 .